القائمة الرئيسية:

بحث في المدونّة

Categories

New Page 1

 

لاتنمية بلا رشادة… هل يَدخُل “لطفي” التاريخ… بعدما خرج منه “الردّاوي”؟

لاتنمية بلا رشادة هل يَدخُل “لطفي” التاريخ… بعدما خرج منه “الردّاوي”؟

د.أسامة قاضي - كلنا شركاء
21/ 01/ 2010

لم يكن مفاجئاً لي إقالة الدكتور تيسير الرداوي من رئاسة هيئة تخطيط الدولة، لأن الصراع بدأ يشتعل بينه وبين مهندس الليبرالية الاقتصادية السورية – السيد عبد الله الدردري- على مايبدو منذ أكثر من سنتين، وبلغت أوجها عندما بدأ الرداوي وضع الصعاب أمام طباعة تقرير استشراف مستقبل سورية 2025 الذي كان الدردري وراءه (وقد سبق أن صرحت بهذا في لقاء تلفزيوني العام الماضي)، ووصل الخلاف المكتوم أوجه مع إعلان فشل الخطة الخمسية العاشرة وانتقادها علناً من قبل لاعب في نفس الفريق الاقتصادي، وقد غاب عن الرداوي – فيما أظن- مسألتين وتجاهل واحدة:

المسألة الأولى: هي مكانة الدردري لدى الإدارة السورية، والمسألة الثانية: أن سورية حسمت أمرها في الطريق الليبرالي –طبعاً على الطريقة السورية- أما المسألة التي تجاهلها فهي عدم الدخول بأجندة اقتصادية-سياسية واضحة.

المفترض قبل دعوة الرداوي لاستلام منصب رئيس هيئة تخطيط الدولة أو غيره أن يتعرف على اللاعبين، وعلى شروط اللعبة، ولم نسمع من الرداوي أنه اعترض على القبول، بل قبل المنصب ولم يُصرّح أنه مختلف مع توجهات الحكومة الليبرالية، أو أن لديه شروط للإصلاح، بل أنه صرح في صحيفة الثورة 26/7/2007 مع الثورة بعد أربعة أشهر على تعيينه:

” أرى أن الخطة الخمسية العاشرة هي أداة فعالة في تحقيق نمو اقتصادي. وبالتالي أنا جاد ومصمم على تنفيذها، وأرى فيها استراتيجية تطوير شاملة ومتكاملة وخصوصا وأنها كما قال السيد الرئيس تنطوي على برنامج اصلاحي متدرج, تحتاج إلى تكاتف كل فئات المجتمع حولها. وكنتيجة حتمية لما أسلفت فإنني أعمل مع كادر الهيئة على تتبع تنفيذها بشكل دائم”

ولعل ماأزعج صانع القرار هو أن يخرج الرداوي – بحُرّية غير معهودة في سورية وهي جزء من مطالب اقتصاد السوق الاجتماعي- على الناس، كأنه أول مرة يعلم بالخطة العاشرة بعدما أصبح ضمن الفريق نفسه الذي رشّحه.

للأسف لم يساعدنا الرداوي على إدخال معايير ومؤشرات الحكم الرشيد في الخطة الخمسية الحادية عشرة، بل على العكس تجاهل كل النداءات التي قمنا بها ووقف في وجه طباعة مشروع ساهم به أكثر من 200 مفكر سوري ب 13 ألف صفحة من الأبحاث التي تمثل كل التيارات، ولم يكن متحمساً يوماً لطباعة التقرير ووضعه بعد سنتين من المماطلة على صفحة الهيئة “مضطراً” وكأن الخلاف مع الدردري بات شخصياً وليس خلافاً فكرياً .

رغم أن الرداوي صّرح في نفس اللقاء بإيمانه باقتصاد السوق الاجتماعي:

” أنا شخصيا لا أنضوي تحت لواء الفكر الليبرالي كما يفهم, إنني مع اقتصاد السوق باضافة كلمة اجتماعي, أي أنني مع مصطلح اقتصاد السوق الاجتماعي….. اقتصاد السوق الاجتماعي هو هدف وفكرة جذابة, وهي تعتمد على آلية السوق وعلى الحرية والديمقراطية والقانون والعقلانية “

إلإأنه فوت فرصة مساعدة الفريق الاقتصادي على تكريس منهج “اقتصاد السوق الاجتماعي” الحقيقي دون اجتزاء وبعناصره الخمسة دون نقصان حسب الوصفة الألمانية: 1- احترام حقوق الإنسان 2- سيادة القانون وتطبيقه بحزم 3- المشاركة الشعبية في العملية السياسية 4- نظام اقتصادي على طريق اقتصاد السوق الاجتماعي -5- تدابير حكومية ذات توجه تنموي

لابل لم تتم الإشارة ولابواحدة من لقاءاته وتصريحاته بأن سيادة القانون (لاالأحكام العرفية)، والمشاركة الشعبية، وسيادة الحريات - التي كان هو نفسه ضحية هامشها الضيق جداً- ضرورة من ضرورات نجاح سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي، ولم يطالب مثلاً أن يتم تعديل المادة 13 امن الدستورالتي تقول أن اقتصاد الدولة اشتراكي؟؟ ولم نسمع تصريح بكيفية تصحيح المسار وفصل السلطات. بل كان واضحاً أن تصور اقتصاد السوق الاجتماعي غير واضح تماماً في ذهنه عندما صرح في نفس اللقاء أنه لوكان لابد من أخذ بنموذج فهو مع النموذج الصيني؟! وليته قال الماليزية مثلاً، والغريب أنه لم نسمع استغراب الرداوي – وبقية الفريق الاقتصادي- عن السبب غير المبرر لاستنكاف سورية عن الدخول في شراكة أوربية استغرقت جهود مضنية لسنوات، فقط بسبب كون احترام حقوق الإنسان السوري شرط أساسي لدخول السوق الأوربية، ومالضير من احترام حرية المواطن وحقوقه؟ وهو في صُلب اقتصاد السوق الاجتماعي، والسؤال إذن لماذا إضاعة سنوات من الجهود والسفر إلى أوربا والاجتماعات اللانهائية مع الوفود الأوربية والمصاريف الهائلة؟.

الليبرالية بساقيها الاقتصادي والسياسي لاتتم دون أجواء من الشفافية والقضاء العادل والإعلام الحر، ولكننا لم نجد استجابة من الرداوي عندما طالبنا بإدخال مؤشرات الحكم الرشيد في الخطة القادمة، ولم يتم طرحها أثناء أيّ من الاجتماعات الخاصة بالخطة الخمسية الحادية عشر، التي لم يُنجَز منها أي شيء، وهانحن دخلنا 2010؟! وهذه المؤشرات –في الحالة السورية- باعتقادي ويشاركني الكثير من المفكرين السوريين الوطنيين يجب أن تتضمنه أية خطة اقتصادية قادمة في سورية لو أرادت أن يكتب لها النجاح بعد أن توضح خارطة صنع القرار الإداري داخل الحكومة للاعب الاقتصادي الجديد ضمن الفريق وهي : مؤشر الحرية الاقتصادية، ومؤشر “أين تقيم أعمالك”، ومؤشر دليل التنمية البشرية والذي يتضمن (مؤشر الحياة المديدة واكتساب المعرفة ومستوى معيشة لائق)، وكذلك بقية مؤشرات الحكم الرشيد من مثل الصوت وتحمل المسؤولية، ومؤشر الاستقرار السياسي، والفاعلية الحكومية ونوعية لقوانين الناظمة وسيادة القانون والسيطرة على الفساد إضافة للنهوض بتصنيف الحريات السياسية والمدنية وحرية الصحافة، والسبب طبعاً أن سورية احتلت للأسف مكانة مخجلة بكل هذه المعايير والمؤشرات دون استثناء، ونتيجة لعدم تفعيل ومراقبة هذه المؤشرات وتحسينها كجزء من الليبرالية السورية انتقل تصنيف سورية في تقريرالبنك الدولي “أين تقيم أعمالك 2010″ من الدولة 138 إلى الدولة 143 من أصل 183 دولة، بمعنى أننا أتينا بعد مدغشقر، والموزامبيق، وتنزانيا، وغامبيا ؟ كيف يمكن للفريق الاقتصادي أن يُصّر على تجاهل الشق السياسي والإنساني ويكابر؟ ويدّعي أي نجاح لأية خطة، وقد أتت سورية بعد غزة والضفة الغربية التي احتلت المرتبة 139 والفريق الاقتصادي السوري “تربّع” على مرتبة 143؟!

الأمل معقود على الدكتور لطفي الآن، فلعله يدخل التاريخ بعد أن أصبح رئيساً جديداً لهيئة التخطيط، ويُقنع السيد الدردري بضرورة إدخال هذه المؤشرات للتأكد من نجاح عمل الفريق الاقتصادي، وخاصة أن هناك تناغم مابين الرجلين، وهما اللاعبين الوحيدين تقريباً في الفرق الاقتصادي بعدما تم تعيين مفاجئ للسيدة لمياء عاصي كوزيرة للاقتصاد!! والتي من المؤكد أنها ستكون الحلقة الأضعف في اللعبة، كون خبرتها الاقتصادية محدودة، وحضورها في عالم الاقتصاد شبه معدوم، والمستغرب أن يتجاوز صانع القرار أساتذة كبار مثل الدكتور نبيل سكر أو الدكتور حسين عماش وغيرهم كثير ويستعجل سفيرتنا في ماليزيا لهذا المنصب الذي سيكون أغلب الظن أقل فاعلية وديناميكية.

خبرتي مع السيدة لمياء عاصي اليتيمة تعود إلى عام 2004 في مؤتمر المغتربين الأول عندما كانت رئيسة الجلسة التي فيها ورقتي البحثية المعنونة “الديموقراطية كمدخل للتنمية الاقتصادية في سورية” أنها طلبت مني شطب أكثر من نصف البحث، وعندما سألتها لو كنتِ مديرة لتلفزيون وخرج أحدهم على الهواء بتعليق لاتتفقي معه ماذا تفعلين؟ قالت بالحرف الواحد “أقطع البرنامج”؟! ولقد غيّرت للأسف بشكل “طفولي” موعد محاضرتي، وحاولت إخفاء توصيتي لمؤتمر المغتربين –الذي أقرّه رغم مابذلته لمياء من جهود صبيانية طمعاً في منصب سياسي- بأن يكون هناك : “إعلام حر غير حكومي يكون بمثابة جهاز الإنذار المبكر لصانع القرار السوري” ولكن أعتقد أن صانع القرار -وعلى عجَل- فضّل تحييد وزارة الاقتصاد، وجعلها أداة تنفيذية مطواعة كوزارة المالية والتي ستساعد على تمرير مايتفق عليه لطفي والدردري، وأما الحسين فلن يقصر في تذليل السياسة النقدية والمالية من أجل الخطة القادمة.

فياترى هل يستطيع لطفي أن يجعل عام 2015 حقاً عام الحكم الرشيد؟، ويخرج بخطة خمسية عبقرية رشيدة تحقق الأبعاد الخمسة للوصفة الألمانية الحقيقية لاقتصاد السوق الاجتماعي كي يقطف الشعب ثمارها، وليست كمثيلاتها من الخطط العشرة التي انتهت بنا للعودة إلى عصر البونات والقسائم، وقطع الكهرباء، والماء، واعتقال صحفيين لأنهم انتقدوا الفقر، أو منع طباعة منشور اقتصادي بحجج عبقرية من وزارة الإعلام التي لاعلاقة لها بالوصفة الألمانية، ولاحتى أيام هتلرالذي فاز بانتخابات ديمقراطية بنسبة 44 بالمائة من الأصوات في الخامس من مارس 1933 فلعل “لطفي” يقنع “بلال” بذلك، لأن سمعة سورية في مجال الحريات الإعلامية أصبحت سيئة لدرجة مؤسفة، كي لايشوش على “اقتصاد السوق الاجتماعي” الحقيقي، و”لايقطع البث” كما أرادت أن تفعل “لمياء” التي أتمنى أنها تعلمت من ماليزيا معنى الحرية، ووجدت بأم عينها كيف قطف الماليزيون ثمار الحرية ومحاربة الفساد، ونسألها أن تساعدنا على أن “نزرع كما زرعوا كي نقطف كما قطفوا”؟

كتابة رد